يعد مفهوم الفضاء العمومي espace public من المفاهيم الملازمة للعقلانية التواصلية، وهو
المفهوم الذي انشغل به هابرماس طيلة كتاباته الفلسفية منذ بداية الستينيات، إلى حد
أنه خصص له عملا مستقلا بذاته هو في الأصل عمل لنيل شهادة للتأهيل(*).
فحينما نتناول ثنائية الفلسفة والفضاء العمومي، فإن ذلك يحيل إلى ثنائية النظرية
والممارسة أي التأثير الذي يمكن أن تقوم به الفلسفة في الفضاء العمومي. وهابرماس
بطرحه لهذه العلاقة في كتاباته الفلسفية يريد أن يبين التأثير الذي يجب أن تمارسه
الفلسفة في المجتمع المعاصر، لأنها مطالبة بأن تلعب أدوارا مخالفة للأدوار التي
لعبتها في المجتمع اليوناني القديم، والمجتمع المسيحي في القرون الوسطى، وفي العصر
الحديث.
ففي مقاله " حدود
الفلسفة " توقف هابرماس عند دور الفلسفة في اليونان من خلال نموذجي أفلاطون
وأرسطو، حيث خلص إلى أن هذين التصورين غير مقنعين لأنهما يعطيان أهمية كبيرة للعقل
النظري في تحديد الممارسة سواء عند أفلاطون في تصوره للخلاص أو عند أرسطو في تصوره
لحياة سعيدة([1])
bonne vie.
أما إذا عدنا إلى العصر
الهلنستي نجد أن الحكيم الذي يكرس حياته للتأمل كان يحض بالاحترام والتقدير وينظر
إليه كنموذج لأنه يمثل الطريق نحو الخلاص. وفيما بعد، في القرون الوسطى اتحدت
الفلسفة مع المسيحية فأصبحت جهازا علميا في خدمة اللاهوت، مما جعلها تفقد كل
استقلاليتها. في ظل هذه الوضعية تنازلت الفلسفة عن وظيفتها
التربوية والأخلاقية للدين.([2])
وبانتقالنا إلى الوضعية الحديثة للفلسفة العملية المنحدرة من الحق
العقلاني، ونظرية أخلاق الواجب déontologique ذات النمط الكانطي، فهي وضعية مختلفة عن الفلسفة
العملية المنحدرة من التقليد الأخلاقي الأرسطي، فالنظريات الحديثة عوضت المسألة
الموجودة لما هو جيد bon
بمسألة سياسية – أخلاقية أي بقواعد حياة مشتركة والتي ستكون عادلة وجيدة بالنسبة
للجميع.
إن العقل الموضوعي، المجسد في الطبيعة أو في التاريخ الكوني، تحول إلى ملكة
ذاتية للفاعلين. فهؤلاء متساوون فيما بينهم بالطبيعة ويسعون إلى تنظيم حياتهم بشكل
جماعي، بحيث أن كل واحد يحافظ على استقلاليته. فهذه الأخيرة، يتصورها كانط وروسو
كملكة لربط الإرادة الخاصة بالقوانين القابلة للتبني من طرف الجميع. بإمكان كل
واحد أن يعرف ما هو جيد وما هو حسن.
انطلاقا من هذا التحول الذي عرفته الفلسفة في العصور الحديثة مع كانط
وروسو، كان هيجل يسعى في مشروعه الفلسفي إلى تحقيق المشروع الكانطي المتمثل في
تحقيق العقل في التاريخ. فخلق مجتمع عادل بالنسبة لهذا الفيلسوف، يتم بواسطة
الطريق السياسي لممارسة ثورية. هذا التصور الهيجلي ينم عن تأثره بأحداث الثورة
الفرنسية جعله يعتبر أن الثورة جزء من الفلسفة. هذا البعد الثوري للفلسفة سيجد
امتدادا له في الفلسفة الماركسية بالرغم من الانتقادات التي وجهها ماركس لهيجل. لقد
عمل ماركس على تطوير الجانب النقدي في فلسفة هيجل، وحول النظرية الهيجلية إلى نقد
اقتصادي يهدف إلى تحقيق الثورة : هذا التحويل للفلسفة إلى المستوى العملي كما
يراها ماركس لم يكن ينتظر الفشل الذريع للتجربة السوفياتية لتكذيبه بل أكدته
انتقادات وجهت للنظرية الماركسية قبل هذا الانهيار، وانتقادات هابرماس في هذا
الباب لا تخلوا من أهمية علمية. إلى جانب ما قام به كارل بوبر أيضا. ([3])
من خلال هذا العرض الموجز عبر تاريخ الفلسفة لثنائية النظرية والممارسة
والذي تأرجحت فيه مهمة الفلسفة بين الخلاص وخدمة اللاهوت والممارسة الثورية، خلص
هابرماس إلى أن معرفة كيف تصبح الفلسفة عملية طرحت بشكل سيء. ولهذا تبعا لرؤيته
الخاصة للتحولات التي عرفتها الفلسفة، وللتطورات التي عرفها المجتمع الحديث
المعقد، يرى هابرماس أن الفلسفة اليوم مطالبة بأن تكون في خدمة الفضاء العمومي.
ترى كيف سيتم لها ذلك؟.([4])
إن علاقة الفلسفة بالفضاء العمومي يمكن تناولها من خلال
علاقة الفيلسوف لهذا الفضاء ودوره في العصر الراهن، خاصة في ظل مجتمع يهيمن فيه
دور الخبير أكثر من الفيلسوف. فالفيلسوف حسب هابرماس يلعب دورا مهما في الفضاء
العمومي في المجتمعات الحديثة، وهو دور يتجاوز دوره كخبير وهذا ما يميزه أيضا عن
العالم(*)، فالفيلسوف حينما يلعب دوره كمشارك في الفضاء العمومي، هذا
الفضاء الذي عبره تفكر المجتمعات الحديثة في هويتها الجماعية يكون له تأثير أكثر
من دوره كخبير أو كمانح للمعنى. إن هذا الدور الذي يمنحه هابرماس للفيلسوف يأتي من
فهمه لمهمة الفلسفة في بعدها السياسي، فهابرماس يعد من الفلاسفة الذين أولوا دورا
مهما للفلسفة السياسية في العصر الراهن، وذلك ليكشف التأثير الذي يمكن أن تحدثه في
الفضاء العمومي، لأنه يشكل صدى للمشاكل المطروحة في المجتمع، هذه المشاكل التي لا
يمكن إدراكها من وجهة نظر وظيفية مغلقة. فالنسيج المنتشر في الفضاء العمومي
والمجسد في المجتمع المدني، هو المكان الذي يمكن للمجتمعات الحديثة المعقدة أن
تطور فيه وعيها بذاتها. ففي الفضاء العمومي يلعب الفلاسفة أدوارا أكثر من باقي
الفاعلين. فهذه الفئة من المفكرين الفاعلين يفعلون في المجتمع دون طلب من الآخرين
وهذا ما يميز الفيلسوف عن الخبير الذي يكون دائما رهن إشارة الآخرين لتقديم خدماته
ومعارفه قصد إيجاد حلول لمشاكل معينة. ([5])
فالخبير في ظل مجتمع تهيمن فيه الأنساق الوظيفية مطالب بتقديم أجوبة تكون
عبارة عن معرفة مهنية متخصصة، معرفة قابلة للتطبيق، إما أن يكون مصدرها العلوم
الطبيعية أو العلوم الإنسانية. هذه المهمة التي يقوم بها الخبير لا يمكن أن تقوم بها
المعرفة الفلسفية أو التاريخية أو الهرمنوطيقية، فمساهمتها في هذا المجال ضعيفة.
فمهمة الفيلسوف تكمن في كونه مستشارا في قضايا المنهج ونقد العلوم وحدود العلم(*)، وبالخصوص في القضايا المعيارية التي لها علاقة
بالبيئة(**) والتكنولوجيا الجينية(***)، أو بصفة عامة القضايا المتعلقة
بالمخاطر التي يطرحها استعمال التكنولوجيا الجديدة، وفي بعض الأحيان يتعلق الأمر
بالتأمل في السياسة الأخلاقية حول الهوية الجماعية.
على خلاف الخبير، لكي يحافظ الفيلسوف على دوره مطالب بمعارضة كل استعمال
أداتي instrumentalisation / instrumentalisierung لمعارفه، أي يجب أن يظل واعيا
بحدود خبرته لأن الفلسفة لها خصوصيات مقابل العلم. ([6])
إن الفيلسوف يتميز عن الخبير بكونه يتصف بنوع من الاستقلالية، هذه
الاستقلالية تجعل مهمته تتمثل في الدفاع عن القيم الأخلاقية، في سياق توشك فيه هذه
القيم على أن تنسى. من هنا أصبح تدخل الفيلسوف في القضاء العمومي مسألة ملحة أكثر
من أي وقت مضى وهابرماس يمثل نموذج الفيلسوف المتعدد الوظائف " بوصفي فيلسوفا
أعمل في حقل العلوم الاجتماعية وبوصفي أستاذا أدرس، وبصرف النظر عن ذلك، فأنا
مثقف، وفضلا عن ذلك أيضا أتدخل عمليا، لكنه لا أحد في ألمانيا يقبل هذا المبدأ
الذي يميز بين الأنشطة وخبراتها المتبادلة كما لو أن على الفيلسوفة أن تكون مجرد
تبرير سياسة ما، وعلى الالتزام أن يكون توضيحا لفلسفة ما ".([7])
وفي سياق مناقشة مهمة الفيلسوف خاصة في السياق الألماني، لم يفت هابرماس أن
يقوم بانتقاد التصور الهيدجري للمفكر الذي ينصت للعالم والذي بإمكانه أن يغير قدر
الحداثة المتخلى عنه من طرف الله. فهيدجر احتفظ للفلسفة بنزعة قدرية، إن هذا
التوجه الهيدجري كان تحت التأثير النقدي لنتشيه، إن هذه الصيغة الرؤيوية للفلسفة،
هي التي يسعى هابرماس لتجاوزها في زمننا الراهن " إن الفلسفة التي تريد أن
تجد لنفسها موطئ قدم في النسق المنظم للعلم، والتي لا تستطيع أن تنسحب أو تتملص من
وعيها المتمثل في القابلية للخطأ، يجب أن تتوقف عن الاعتقاد بقدرتها على تقديم كل
الحلول وأن تكتفي بأن تحمل للعالم المعيش نمطا من التوجيه أقل درامية، وأن تدرك
كذلك تصورا متواضعا وواقعيا حول نفسها باندماجها بشكل إحالي – ذاتي / Autoréférentielle في البنيات المختلفة للعالم
الحديث ".([8])
بنقده لهذه النزعة القدرية والرؤيوية للفلسفة كما يريدها هيدجر، يريد
هابرماس أن يجعل الفلسفة مبحثا متواضعا، تجد مكانها في الاشتراك مع المعارف
الأخرى. " فعوض أن تثبت ذاتها كقوة طموحة أمام شمولية هذا العالم، يجب أن
تصبح فلسفة تداولية تحاول أن تحدد مكانها في إطار هذا العالم الذي تؤوله في نفس
الوقت بالشكل الذي يمكنها أن تضطلع بالعديد من الأدوار حسب وظائفها وأن تحمل مساهمات
نوعية ".([9])
بتخلي الفلسفة المعاصرة عن إدعاءات : الشمولية (هيجل)، والتأسيسية (كانط)،
وتغيير العالم (ماركس)، والقدرية (هيدجر) والقدرة على إدراك الحقيقة لوحدها، أصبحت
واعية بذاتها وتعرف حجمها والمهام المنوطة بها في الفضاء العمومي الحديث، كما
أصبحت واعية بإمكانية وقوعها في الخطأ " فالفلسفة غالبا ما تكتفي بفتح الطريق
للنظريات الإمبريقية المطالبة بطرح قضايا كونية طموحة. إنها لم تتوقف على الاشتغال
بقضايا الحقيقة مثلها مثل العلم. لكن الذي يميز الفلسفة عن العلم، أنها تحافظ على
علاقة داخلية مع الحق، والأخلاق، والفن وتدرس المسائل المعيارية والتقويمية من
وجهة نظر خاصة بها. فبدخولها أيضا في منطق قضايا العدالة(*) والذوق واحترامها للمعنى الخاص بالأحاسيس الأخلاقية
والتجارب الجمالية، تحتفظ بهذه القدرة الوحيدة للانتقال من خطاب لآخر وتجري ترجمات
من لغة لأخرى ".([10])
إن الفلسفة بحكم تعدديتها اللغوية وعلاقتها مع العديد من المباحث المعرفية
بإمكانها أن تطور العديد من تأويلاتها، وأن تساهم في فهم العلاقات الاجتماع