يجب أن تموت قبل أن تموت،يجب ان تموت لتحيا، أما حياة الاستمرار و الذبول فهي موت...

الرسالة 4: دببة موسكو، سناجب مونتريال و أطفال أنفكو

كتبهامحمد فاضل رضوان ، في 31 يناير 2007 الساعة: 05:14 ص

تنشر هذه الرسائل كل سبت بيومية الصحيفة المغربية

أخبار أحوال الجو أضحت سيدة الموقف، تحولات مناخية عميقة يشهدها العالم بزواياه الأربع فتحت المجال أمام أحداث منها الطريف و منها المأساوي…

 في موسكو ارتفعت درجة الحرارة إلى ما فوق الخمس درجات في شهر يناير و هي درجة حرارة قياسية لمن تعودوا على ما دون الثلاثين و الأربعين تحت الصفر في هذا الوقت من السنة… الموسكوفيون انقسموا بين الترحيب بطقس دافئ في قلب فصل الشتاء و الحنين إلى أزمنة القر التي تعد ماركة مسجلة بموسكو، وحدها الدببة القطبية حسمت المسألة حين قطعت سباتها الشتوي بحديقة حيوانات موسكو و خرجت للنزهة غير عابئة بنظرات الاستغراب التي تلاحقها، أما المسؤولون عن الحديقة فقد أصبح عليهم منذ الآن البحث عن موارد جديدة تكفي لإعالة العدد الكبير من الدببة القطبية التي عادة ما تخلد للنوم في هذا الوقت من العام دون تكاليف تذكر…

هنا في كندا لا يبدو الأمر مختلفا، طقس معتدل يكسر قاعدة الشتاءات القاسية و أغنية ،نويل الأبيض، التي عادة ما تتردد على ألسنة الجميع في عيد الميلاد بدت باهتة هذه السنة فنويل لم يكن أبدا أبيض أبدا لأن الثلج تأخر عن موعده كثيرا، فيما نصح الاطفال بابا نويل بتبديل زلاقتي عربته الشهيرة بعجلتين تليقان بالطريق الجافة… حتى السناجب التي تتكاثر في حدائق مونتريال و تتنقل بخفة من شارع لآخر بدت في حيرة من أمرها فليس الجو بالبرودة التي تدفعها للانزواء بأعماق الأشجار و الاكتفاء بما جمعته من مؤونة خلال الصيف و لاهو بالجميل الذي يشجع على الخروج المستمر و المجازفة بجمع المزيد من الطعام…أما عمال جمع الثلوج فقد وجدوا أنفسهم في ورطة كبيرة تدعوهم للبحث عن عمل جديد…فعواصف شمال العالم لم تعد تفي بالغرض..

 سؤال الأهل و الأصدقاء من المغرب عن أحوالنا مع البرد في مونتريال بات مضحكا في وقت يبدو فيه الجو في فاس أقل حرارة منه في مونتريال،  حتى أن البرد قد أصبح له ضحاياه بالمغرب فليست المسالة مسالة دببة موسكو التي ترفض النوم أو سناجب مونتريال الحائرة التي لا تدري كيف تتصرف  فحسب، إنها أيضا قصة اطفال أنفكو، يختطفهم الموت من أحضان ذويهم بحجة من المفترض أن الإنسان قد أحسن التعاطي معها منذ أزمنة الكهوف…

هي قصة دوار أنفكو أحد معاقل المغرب غير النافع حيث الإنسان و الطبيعة وجها لوجه أما الدولة فتلك حكاية أخرى… و مع ذلك فهي تظهر في الوقت المناسب و الوقت المناسب هو بعد أن يكون قد مات من مات و عاش من عاش لتقدم الإحصاءات، و على ذكر الإحصاءات  فقد قال تشرشل قديما أن الأكاذيب تنقسم إلى ثلاثة أقسام الأكاذيب الصغرى و الأكاذيب الكبرى و الإحصاءات… و يبدو أنه قد كان محقا فالإحصاءات التي قدمتها وزارة الصحة كانت من النوع الثالث من الأكاذيب فعلا، فتمسكت حتى اللحظة الأخيرة برقم إحدى عشر ضحية و كان الأمر لا يستحق عناء الالتفات فالأمر لا يتعدى كون إحدى عشر طفلا من مكان ما في مغرب البسطاء قد ماتوا بردا … وحدها جرأة محمد الزينبي حسمت الأمر حين حمل كاميراه و توجه نحو دوار أنفكو ليوثق القبور واحدا واحدا حتى الرقم السادس و العشرين ويوثق معها قصة أبناء الهامش ممن شطبتهم دائرة القرار المركزية من مفكرتها أحياء و أموات، أولئك ممن ترفض الدولة الاعتراف بوجودهم فلا تكلف نفسها عناء الاهتمام بهم أحياء وفق أدنى المعايير التي يستحقها الكائن البشري و في مقدمتها حمايته من قسوة الطبيعة، كما لا تهتم بالاعتراف حتى بموتهم و هي ربما كانت محقة فمن لا يوجد لا يمكن أن يموت.

كما هي العادة دوما يرتبط بنا و بأرضنا و بأطفالنا الجزء المبكي من القصة، فالموسكوفيون تدبروا أمرهم مع دببتهم و أعدو أنفسهم لمواجهة مطالبها من الأكل الإضافي لثلاثة اشهر على الأقل، و المونترياليون يفكرون في حل يقي سناجبهم حالة الذعر و الارتباك و يقنعهم بعدم المخاطرة بالخروج من قلب أشجارهم، اما مسؤولوا بلدنا السعيد فقد تفرغوا للنفي، فها هم ينفون الوباء و ينفون الرقم الذي صرحت به القنوات الأجنبية و لو لم توثق الكارثة بالصور لقاموا بنفيها جملة و تفصيلا و حين تسربت أنباء أخرى أن مينانجيت الشاون كانوا أيضا هنا، لكن لمجرد النفي لا اكثر… فطوبى لدببة موسكو و سناجب مونتريال و تبا لأبناء مغرب الهامش الذين رفضهم وطنهم أحياء و أمواتا …فالمغرب لم يعد يتسع للجميع…و من لم يمت من اطفال دوار أنفكو بردا قد يموت يوما ما في مضيق جبل طارق هربا من الموت البطيئ….و ما علي أنا القابع بالقرب من القطب الشمالي من الآن فصاعدا إلا استباق أصدقائي و احبتي من المغرب في كل مكالمة بالسؤال الكبير:كيدايرين مع البرد؟

منتريال- كندا

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رسائل مونتريال | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر