يجب أن تموت قبل أن تموت،يجب ان تموت لتحيا، أما حياة الاستمرار و الذبول فهي موت...

الدروس الخصوصية، إعادة توزيع الأدوار

كتبهامحمد فاضل رضوان ، في 25 أبريل 2005 الساعة: 15:29 م

من شأن ممارسة شديدة التعقيد كالممارسة التربوية أن تفرز العديد من الظواهر التي قد تأخذ صيغا كثيرة التنوع و التداخل بالنظر إلى تداعياتها على أكثر المناح الإنسانية حساسية ما بين النفسي و الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي…ميزة هذه الظواهر تتمثل أساسا في صعوبة عزلها و دراستها موضوعيا مما يترك المجال مفتوحا أمام المعنيين و غير المعنيين للإدلاء بآراء و تصورات عن طبيعة هذه الظواهر و امتداداتها هي أقرب إلى لغة التمثلات الشعبية و الحس الجماعي المشترك منها إلى اللغة العلمية الرصينة التي تعتمد مختلف الآليات التي راكمتها العلوم الإنسانية الأكثر قدرة على التحليل من قبيل السوسيولوجيا و السيكولوجيا…في هذا الإطار نستحضر ظاهرة الدروس الخصوصية بما هي إحدى أهم القضايا التي ما فتئت تثير الكثير من الإشكالات التي قد تنطلق من مدى إمكانية الباحث على تعريفها و حصرها لغويا و وظيفيا, وصولا إلى مختلف الأسئلة التي قد تثيرها على المستوى السوسيواقتصادي للأسر خصوصا ذات الدخل المحدود منها و التي أصبحت تجد نفسها مرغمة على الاندماج في هذه الموجة حفاظا على حظوظ أبنائها في ضمان مقعد مميز في وسط مدرسي نخبوي لا مكان فيه للمتخلفين و المتعثرين, و المستوى التربوي عموما باعتبارها تفاعلا جديدا لمكونات العملية التعليمية التعلمية التقليدية الثلاث ( مدرس/ متعلم/ محتوى) لكن في ظل شروط أخرى غير واضحة المعالم أهم ما يميزها انفلاتها عن الشروط المؤسسية التي عادة ما تتحكم في سير كل ممارسة من هذا القبيل, مما يترك الباب مفتوحا أمام كل التكهنات حول مدى نجاعتها كحل لتجاوز مختلف التعثرات التي قد تصاحب مسيرة المتعلمين بل و مدى مشروعية تواجدها في ظل وجود تعليم رسمي تموله و تشرف عليه الدولة و تعليم خصوصي يموله الخواص لكنه يخضع بشكل أو بآخر لوصاية الدولة.
الواقع أن فترة نهاية التسعينيات و بداية الألفية الثالثة قد حملت معها تحولا لافتا للنظر على مستوى حضور ظاهرة الدروس الخصوصية في نسيجنا التعليمي التعلمي. فالظاهرة سرعان ما تجاوزت ما كان يعرف "بالسوايع الإضافية" التي كان يقدمها بعض المدرسين بشكل محتشم في بيوتهم و بأثمنة رمزية   قلما تشكل عبء على كاهل الأسر, لتأخذ شكلا مؤسسيا أصبحت له فضاءاته و أعرافه و حيثياته و طقوسه الخاصة ذلك ان تجاوز الظاهرة طابع الاستثناء إلى طابع القاعدة خصوصا في التعليم الثانوي التأهيلي إن على مستوى المدرسين أو المتعلمين, و نقلها من إطار ضيق كان يكتسي طابعا شخصيا مغلقا (بيوت المدرسين) إلى فضاءات عمومية أعدت خصيصا لهذا المجال و اعتمادها في الإعلان عن نفسها على آليات التسويق و الإشهار الحديثة من منشورات و إعلانات لا بد و أن يحمل معه تناسل تصورات جديدة بخصوص الظاهرة تختلف و تتباين باختلاف و تباين مصادرها و مواقعهم بالنسبة لسير العملية التعليمية التعلمية و هو ما يمكن رصده على مجموعة من المستويات تتقاطع تداعياتها بتعدد و تداخل المنخرطين في سياقاتها ما بين المتعلمين الذين أصبحت الظاهرة بالنسبة إليهم مجالا للانفلات من واقع التمدرس المؤسسي الرسمي و الانخراط في مناخ تعليمي مغاير تختلف فيه طبيعة العلاقات و المواقع و المنتظرات و المدرسين الذين تشكل الظاهرة بالنسبة إليهم مدخلا لإقامة توازن اقتصادي مفقود في ظل التنافر الصارخ بين مداخيلهم الرسمية و متطلبات الحياة, و الآباء الذين لابد و أن تتباين مواقفهم إزاءها ما بين الإيجابي باعتبارها مجالا لتحسين وضعية أبنائهم التربوية و تعزيز حظوظهم التعليمية و السلبي لتداعياتها الكبيرة على الوضعية الاقتصادية للأسرة. هذه التصورات إزاء الظاهرة يمكن تأطيرها على مستويين أساسيين يتعلق الأول بالمعطى السيكوسوسيوتربوي الذي يشمل كل من المدرس و المتعلم كطرفين فاعلين يساهم التعليم الخصوصي في إعادة صياغة طبيعة موقع كل واحد منهما في نسيج العلاقات التواصلية داخل العملية التعليمية التعلمية, أما الثاني فيشمل المعطى السوسيواقتصادي الذي يمكن في إطاره مقاربة إسقاطات التعليم الخصوصي على الوضعية السويواقتصادية لآباء المتعلمين باعتبارهم ممولين أساسيين لهذا النسق التعليمي و المدرسين باعتبارهم مستفيدين.
المعطى السيكوسوسيوتربوي: لا يمكن بأي حال من الأحوال المقارنة بين طبيعةالعلاقات التربوية التي تسود فصول التعليم الرسمي و تلك التي تحتضنها قاعات الدروس الخصوصية لاختلاف الإطار التنظيمي و الشروط النفسية و الاجتماعية التي يتفاعل فيها كل نسق على حدة فطبيعة المأسسة التي يصطبغ بها النسق الأول باعتباره خاضعا لتفاصيل و سياقات مؤسسية سابقة على كل من المدرس و المتمدرس تحد من هامش المبادرة لدى كل واحد منهما في ظل التحديدات الصارمة للبرنامج و أشكال تصريفه بما يضمن توازنا بين مكوناته و الغلاف الزمني المخصص لها , لكنها بالمقابل تمنح امتيازا تربويا لفائدة المدرس الذي يمنحه الإطار المؤسسي الجامد موقعا أكثر تميزا و تأثيرا في مسار العملية التعليمية التعلمية في شموليتها , فالشروط المؤسسية و إن كانت سابقة عليه فهو من يتولى أجرأتها و التحكم في مساراتها خصوصا في منظومة تربوية تقليدية تتخذ فيها طبيعة توزيع المواقع طابعا عموديا يرتبط جدليا بأنماط العلاقات النفسية و الاجتماعية فيبادلها التأثير و التأثر بما ينعكس على منتظرات العملية التعلمية في شموليتها. من جهة أخرى و رغم كل مظاهر التقنين و التنظيم التي ما فتئت تحيط بحصص الدروس الخصوصية سواء تعلق الأمر بجانب البناء التحتي( مؤسسسات خاصة) أو التنظيمي (الإشراف و التسيير) فإنها لازالت منفلتة على طابع المؤسسة الرسمي من حيث إنها لا تخضع لمراقبة من خارج نطاق الفاعلين فيها كما هو الشأن بالنسبة للتعليم الرسمي الخاضع لوصاية الحكومة مما يتيح لهذه الحصص هامشا أكبر في ترتيب أولوياتها بما يتماشى و احتياجات زبنائها من المتعلمين. انتفاء الشروط المؤسسية المسبقة من على أجندة حصص الدروس الخصوصية و حضور المتعلم كممول لها من خلال أداء أسرته لثمن استفادته منها و المدرس كمستفيد من دخل إضافي مصدره أسرة المتعلم هذه المرة و ليس الدولة من شأنه أن يسهم في بناء نسق تواصلي مختلف عن ذاك السائد بحصص المدرسة الرسمية تضيق فيه هوامش التأثير أمام المدرس لتزيد لصالح المتعلم مما يؤسس لعلاقات نفسية و اجتماعية مختلفة قد تحمل معها تصورات جديدة و مختلفة لدى كل من المدرس و المتعلم من المفترض أن تكون أكثر انفتاحا من تلك التي تخص حصص التعليم الرسمي هذا الانفتاح قد يلقي بظلاله على مواقف و تصورات كلا الطرفين فيجعلها تبدو أقل سوداوية من تلك المتعلقة بحصص التعليم الرسمي .
المعطى السوسيواقتصادي: تبدو أطروحة الورثة التي استقاها السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو من خلال اشتغاله على عينة من طلبة المدارس العليا الفرنسية و ضمنها كتابه الشهير الذي يحمل نفس الاسم أقرب إلى تحليل أشكال الاندماج السوسيوقتصادي للطلبة المغاربة في ظل منظومة تربوية تروج لمنتوج نخبوي لا تقدم المؤسسة العمومية ضمانات كافية لمعظم روادها بالتكيف معه, من هنا تبدو الدروس الخصوصية ملجأ آمنا من قبل الأسر لضمان تأقلم أكبر لأبنائهم مع متطلبات الاندماج في مسالك تعليمية تضمن حظوظا اقتصادية و اجتماعية أوفر, غير أن الهاجس الاقتصادي لا بد و أن يتدخل في طبيعة علاقات الأسر بمنظومة الدروس الخصوصية هذه رغم رهانها عليه تربويا و تعليميا, فتكاليف هذه الدروس تتجاوز بكثير القدرة الشرائية لأغلب الأسر ذات الدخل المحدود مما يجعل مواقف هؤلاء تتراوح ما بين الترحيب المبرر بأهمية هذه الحصص في رسم مستقبل أبنائهم و التنديد و الرفض للإسقاطات السلبية لها على وضعيتهم السوسيواقتصادية لكنها معظم التوجهات ستسير في اتجاه كونها شر لابد منه, بالمقابل تتضاءل يوما بعد يوم لائحة المناهضين للدروس الخصوصية داخل دائرة المدرسين تحت إكراهات العامل الاقتصادي الذي يحيط بحياة المدرسين كغيرهم من الموظفين الصغار. هكذا من الطبيعي أن تشكل هذه الدروس متنفسا قد يسهم بشكل واضح في تحسين وضعيتهم السوسيواقتصادية و إن بدرجات متفاوتة تتحكم فيها بالأساس طبيعة المواد المدرسة(علمية/أدبية) و الانتماء السوسيواقتصادي لأسر المتعلمين بما يجعل خطاب التبرير الأقرب إلى طبيعة تعبير المدرسين عن انخراطهم في دائرة الدروس الخصوصية.
من الطبيعي جدا أن تختلف التصورات و التحديدات المحيطة بظاهرة الدروس الخصوصية باختلاف الأطراف المعنية بها أو المتتبعة لها فانتشارها الهائل يطرح إشكالات عديدة قد تتجاوز التربوي إلى التشريعي من خلال التساؤل حول طبيعة حضورها في التشريع المدرسي, و الأخلاقي من خلال التساؤل حول مشروعية استمرارها في ظل تأثيرها على مبدأ تكافؤ الفرص الذي من المفترض أن يسود المجال التعليمي التعلمي…لكن من شأنها أن تدعو إلى وقفة تأمل طويلة أمام راهن التعليم الرسمي مما يدعو إلى ضرورة إعادة النظر في محددات و شروط هذا الأخير الذي لم يعد قادرا على تلبية حاجيات متعلميه التربوية و مدرسيه الاقتصادية مما حدى بالجميع إلى الانخراط في ممارسة غير واضحة المعالم و الشروط و المحددات.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتابات تربوية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الدروس الخصوصية، إعادة توزيع الأدوار”

  1. السلام عليكم

    إشكالية الدروس الخصوصية أضحت من المسائل التربوية التي مازالت تحتل الحيز الأكبر من حديثنا اليومي العائلي والتربةي وحتى الإجتماعي فهي مسألة مركبة إلى حد التعقيد تتداخل في إنشائها وبقائها وإستفحالها عوامل متعددة مترابطة منها ماهو مادي وماهو إجتماعي ومنهاماهو سياسي وقبل التطرق إلى نتائجها والوقوف على تمضهراتها يجب الذهاب اتجاه التنقيب عن عللها النتجة للضاهرة عملا بالمبدأ العلمي وهو مبدأ السببية ثم وضعها في إطارها الإشكالي وتفريعها إلى مشكلات مع تعزيز المعالجة بتقديم مقاربات فكرية تشرح قدر المستطاع جسد الضاهرة للتوغل في مكوناتها الداخلية



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر