يجب أن تموت قبل أن تموت،يجب ان تموت لتحيا، أما حياة الاستمرار و الذبول فهي موت...

بين المذكرة 111 و راهن الفلسفة بالثانوي المغربي، قراءة في تجربة الجذوع المشتركة

كتبهامحمد فاضل رضوان ، في 10 يناير 2005 الساعة: 17:08 م

لا يشذ مسار الدرس الفلسفي المغربي عن التاريخ الشمولي لتدريس الفلسفة باختلاف الظروف, فقدر هذه الأخيرة أن تخوض حروب وجودها و كان لعنة المعلم سقراط تأبى أن تفارق معلم الحكمة في كل مكان و زمان. هكذا ارتسم مسار علاقة الفلسفة بالمؤسسة بالصراع و التشنج على امتداد تاريخها الذي يعود إلى بداية الأربعينيات حين أدمجت كمادة تعليمية ملقنة باللغة الفرنسية في سياق عملية ترحيل فجائية حملتها من إطارها التاريخي الطبيعي بفرنسا الذي يجد عمقه في فكر الأنوار و مبادئ الثورة الفرنسية و العقلانية الديكارتية إلى إطار متخلف تابع لا زال يعيش متاهات الحداثة و التقليد في نسختها الأولى.فكان أن واجه تدريس الفلسفة بالمغرب أخذا و ردا ما بين الترحيب بها بل و الرهان عليها كمدخل للتغيير و التأثير في المجتمع باستثمار القيم المضافة لدرس الفلسفة كفضاء للنقد و التساؤل المنهجي و التوجس و التخوف تجاه أطروحاتها التي اعتبر كثيرا منها مهددا للقيم و المبادئ المجتمعية الأصيلة, هذا التوجس سرعان ما ترجم في سياق موجة عداء حاصرت الدرس الفلسفي المغربي على المستويين الثانوي و الجامعي.
و باعتبار ارتباط درس الفلسفة بالمتغيرات الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية… للمجتمع فإن أجواء الانفتاح السياسي و الحقوقي التي حملها عقد التسعينيات بالمغرب ما بين السنوات الأخيرة لحكم الملك الراحل الحسن الثاني و بداية حكم الملك الحالي محمد السادس بما ميزها من رواج غير مسبوق لخطابات الحداثة و الديمقراطية و المواطنة و حقوق الإنسان قد خلق مناخا مناسبا لإعادة إنتاج الدعوات القديمة برفع الحصار عن الدرس الفلسفي المغربي الذي ظل حبيس السنتين الثانويتين النهائيتين بالثانوي و جامعتي الرباط و فاس على المستوى الجامعي إضافة إلى المدرسة العليا للأساتذة بمكناس على مستوى تكوين الأطر.هذه الدعوات جاءت في سياق استشعار عام للحاجة إلى التفلسف في مجتمع لا زال يتلمس طريقه في درب التحديث خصوصا مع تنامي مظاهر العنف و التطرف و التي بلغت ذروتها في أحداث 16 ماي الأليمة.
و قد وجدت هذه الدعوات طريقها للتطبيق من خلال إعادة إدماج الفكر الفلسفي بعدد من الجامعات كمكناس مراكش و البيضاء إضافة إلى إقرار مادة الفلسفة ضمن البرنامج الدراسي للجذعين المشتركين الأدبي و العلمي و هو ما أتت به المذكرة 111 الصادرة بتاريخ 22 رجب 1425 الموافق 08 شتنبر 2004 . و إذا كنا لا نملك سوى مشاعر التثمين تجاه هذه الخطوة التي تدخل في سياق رفع الحصار عن الفكر الفلسفي بالمغرب فإن الأمر لا يمكن أن يخلو من تسخير لبعض آليات التفلسف ما بين النقد و التساؤل مساهمة منا في إغناء التجربة و تجاوز نقائصها بما يخدم حضورا فعالا للفكر الفلسفي بالمنظومة التعليمية المغربية في شروط صحية.
تشير المذكرة 111 في تقديمها إلى أن هذه الخطوة تأتي في ضوء مراجعة المناهج الدراسية الجديدة الخاصة بالتعليم الثانوي التأهيلي و نظرا للدور التربوي و التكويني الذي من الممكن أن تسهم به مادة الفلسفة , بتعامل إيجابي مع المواد الدراسية الأخرى في التعليم الثانوي التأهيلي, في إنماء شخصية متوازنة و منفتحة و مستقلة و مسؤولة لدى المتعلمين في هذا السلك و هو ما يعني استشعارا من طرف الجهات الوصية على المنظومة الفلسفية بالحاجة إلى التفلسف و القيم المضافة المتوفرة لدرس الفلسفة بالتعليم الثانوي بالنظر إلى حساسية المرحلة على المستويين العمري و الدراسي ذلك أن مرحلة المراهقة الممتدة ما بين 12 و 18 سنة غالبا ما ترافقها أجواء عدم الرضى السلبي عن مظاهر التفكير الرائج في المجتمع, هكذا قد يشكل تدعيم التفكير الفلسفي في هذه السن بالذات احتضانا لهذه الاندفاعات و تأطيرا لها بما يتوافق و المنهج النقدي التساؤلي الذي تتبناه الفلسفة فماذا أعدت إذن هذه الجهات لإنجاح التجربة و نقلها من مجال الشعارات الجذابة إلى التطبيق؟
عن التعامل مع هذا السؤال لا يمر سوى عبر مساءلة المبادئ و آليات الاشتغال المروجة من قبل هذه المذكرة في علاقة بالواقع المادي و الرمزي الذي تتم في سياقه الممارسة التعليمية التعلمية و من ضمنها تدريس مادة الفلسفة: 
في هذا السياق تحدد المذكرة مجموعة من المبادئ يمكن قراءتها كما يلي:
 أن تتم التجربة في شكل تمهيدي أساسه تعرف المادة و خصائصها و موضوعات تفكيرها في إطار مبدأ التدرج الذي اتخذ كأساس في بناء المناهج و البرامج الجديدة لمادة الفلسفة إضافة إلى الاختيارات و التوجهات التربوية المحددة في الكتاب الأبيض. الواقع أن هذا المبدأ يضعنا في عمق الإشكال الأول الذي تطرحه هذه التجربة أمام المدرسين المكلفين بالإشراف عليها و هو غياب هذا البرنامج الذي من المفترض أن يتم احترامه كأساس لعملية التدريس هاته فأغلب هؤلاء المدرسين فوجئوا بغياب الوثيقة الأساسية التي تشكل الضلع الثالث في المنظومة التربوية إلى جانب المدرس و المتعلم نقصد المحتوى التعليمي مما يفضي إلى شكل من الضبابية و الارتجال على مستوى إعداد و تقديم الدروس من جهة و تشغيل المتعلمين من جهة أخرى فغياب الكتاب المدرسي وضع الجميع أمام حالة فراغ مطلقة قد تؤدي محاولة التعامل معها في ظل غياب شروط تنظيمية واضحة إلى نتائج غير محسوبة العواقب , و إذا كانت المقاربة المعتمدة في صياغة الدرس الفلسفي منذ عقود هي الاعتماد على النص الفلسفي كمادة معرفية وكأداة مركزية لإنجاز هذا الدرس إذ انه يتيح إمكانية الاتصال المباشر بالإنتاج الفلسفي فإن هذا الغياب للبرنامج من شأنه أن يجعل الرهان على النصوص الفلسفية عملية صعبة و مكلفة للمدرسين في ظل الافتقار للمراجع و الأدوات الكافية .كما أن فتح باب الاجتهاد على مصراعيه أمام المدرسين في إعداد البرامج قد يؤدي إلى انزلاقات كثيرة لاختلاف الرؤى و التصورات و هو ما قد يفرز تضاربا على مستوى ما هو منتظر من هذه الخطوة خصوصا و أن المذكرة أشارت ضرورة اعتماد نظام المجزوءة كوحدة للمنهاج و صيغة لتدبير التعلم و هو نظام جديد ليس لمعظم الفاعلين التربويين عهد سابق به مما يضيف تعقيدات جديدة لعملية الاجتهاد هاته ما دامت المذكرة قد وقفت عند مستوى ذكر عنواني المجزوءتين و غلافهما الزمني المحدد في 30 ساعة منها و هو ما يترك هامشا كبيرا من الفراغ المنهجي على مستوى التعامل مع هذه المعطيات الجديدة و تكييفها مع واقع الثانوية المغربية من جهة و صياغة المحاور و المضمون النظري لهذه المجزوءات من جهة أخرى .
إضافة إلى المبادئ أوردت المذكرة مجموعة من الإجراءات و التدابير نقرؤها كالتالي:
تشير المذكرة إلى أن تدريس الفلسفة بالجذعين المشتركين العلمي و الأدبي في الموسم الحالي سيتم اعتمادا على وثائق تربوية تهيا خصيصا لمساعدة أساتذة الفلسفة المعنيين بهذا التدريس على إنجاز البرنامج و هو ما لم يتجاوز مداه حبر المذكرة فالوثائق المفترض وصولها و المكونة من داعمات بيداغوجية و توجيهات ديداكتيكية ظلت في حكم الغيب ليغرق المدرسون في نوبات الاجتهاد غير الموجه و لا المؤطر بما لا يخدم التجربة على أية حال كما أن الدورات التكوينية المشار إليها في المذكرة لم تجد صدى لها على أرض الواقع بما يعزز فرضية الفصام التي تميز الخطاب الرسمي إزاء الواقع و هو أمر وإن كان قد أصبح رديفا للممارسة التربوية المغربية في شتى تمظهراتها فإنه قد يكون مصدر إحباط للفاعلين المهتمين بالدرس الفلسفي خصوصا للطبيعة المعقدة لمسار هذا الدرس بالثانوية المغربية و القيمة لمنتظرات هذه التجربة. 
الإشكال الثاني المهم الذي يتعلق من وجهة نظرنا بهذه التجربة الجديدة هي عدم كفاية الموارد البشرية لإنجاحها رغم الزيادة في عدد خريجي شعبة الفلسفة بالمدارس العليا للأساتذة و الاستعانة ببعض حاملي الشهادات الجامعية الفلسفية من الأسلاك الأخرى مما يؤشر على أن هذه الخطوة ربما اتخذت بمعزل عن الواقع التعليمي الذي توضحه أرقام من المفترض أنها في متناول الجهات الوصية .هكذا أفضى هذا التضارب بين الواقع و المفترض إلى فرض لغة الأمر الواقع في التعامل مع التجربة بالنظر إلى أن تخصص الفلسفة كان يعاني خصاصا مزمنا حتى في غياب برنامج الجذوع المشتركة و هو ما أدى في متمة الأمر إلى التمييز بين ثلاث فئات من الثانويات بخصوص تعاملهم مع معطيات المذكرة 111 في ظل عدم كفاية الموارد البشرية :
الفئة الأولى: تدرس فيها الفلسفة بالجذعين المشتركين العلمي و الأدبي وفق ما نصت عليه المذكرة المذكورة و باحترام الغلاف الزمني المحدد في ساعتين بالأسبوع و 30 ساعة لكل مجزوءة و هو ما انعكس سلبا على مستوى جداول حصص الأساتذة التي تجاوزت عدد ساعات العمل بها الحد الأقصى في بعض الحالات.
الفئة الثانية : تدرس فيها الفلسفة بالجذعين المشتركين العلمي و الأدبي لكن دون احترام الغلاف الزمني المحدد في المذكرة إذ تم اختصاره في ساعة في الأسبوع بدل ساعتين و هو ما سينعكس على توزيع المجزوءتين في شموليته مما يقلص فرص الرهان على هذه التجربة في التأثير على مجريات العملية التربوية و يضع حدودا قاسية أمام المنتظر منها.
الفئة الثالثة: استثنيت من تطبيق مقررات المذكرة لعدم كفاية الموارد البشرية بها و هو ما يعني الاحتفاظ بالصيغة القديمة التي تحصر تواجد الفلسفة في السنتين النهائيتين و هو ما لا يخدم بالأساس التوجهات التي اختطها الخطاب الرسمي تجاه الدرس الفلسفي بأن ظلت هذه التوجهات حبيسة الخطابات بعيدة عن الواقع.
إن هذا التمييز بين الثانويات يحمل في طياته انعكاسا ملحوظا على مستوى تكافؤ الفرص بين تلاميذ الثانوية المغربية إذ لا يعقل أن تدرس مادة لتلاميذ دون آخرين خصوصا و السنة القادمة من المفترض أن تحمل معها تغيرات جديدة تمس درس الفلسفة في السنوات الثانوية الثلاث هكذا سيضع برنامج السنة الأولى باكالوريا في حسابه مكاسب و تراكمات مجزوءتي الفلسفة و الطبيعة و الثقافة اللتان من المفترض أنهما قد قدمتا للجميع. كما أن التضارب بين المخططات الرسمية و عدد الموارد البشرية من المنتظر أن يستمر خصوصا و أن عدد الأساتذة الذين يجري تكوينهم هذه السنة لا يتجاوز 120 أستاذا و هو عدد ليس من شأنه أن يحدث تغييرا ملموسا يتوافق و إعادة الهيكلة التي يخضع لها الدرس الفلسفي بما يؤشر على أن خطوات البداية هذه ستتجاوز لحظة البداية لترافق مسيرة الإصلاح هذه. وهو ما يجعلنا نعتبر أن هذه الخطوة رغم أهميتها لم تتوفر لها ما يكفي من شروط النجاح. 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتابات تربوية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “بين المذكرة 111 و راهن الفلسفة بالثانوي المغربي، قراءة في تجربة الجذوع المشتركة”

  1. لا بأس به



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر