يجب أن تموت قبل أن تموت،يجب ان تموت لتحيا، أما حياة الاستمرار و الذبول فهي موت...

الرسالة6: حكاية رجل اسمه ماهر عرار

كتبهامحمد فاضل رضوان ، في 19 أبريل 2007 الساعة: 08:07 ص

 
 تنشر هذه الرسائل كل سبت بيومية الصحيفة المغربية

قد
يكون ماهر عرار هو المواطن العربي الوحيد الذي تلقى اعتذارا رسميا من حكومة بلاده
في شخص رئيس حكومتها…لكن الأمر يتعلق للاسف برئيس وزراء كندا التي يحمل عرار
جنسيتها منذ سنوات طويلة و ليس ببلده الأصلي سوريا مما يضع البادرة في ميزان حسنات
الغرب و ليس بلاد العرب
و ماهر عرار إسم مألوف جدا في الأوساط الكندية و الشمال
أمريكية إلى درجة أن مجلة التايم
الأمريكية كانت قد اختارته أهم شخصية صانعة للاخبار في كندا برسم العام 2004 ، و
لا يكاد يختفي هذا الإسم أو يقل تداوله حتى يعود إلى واجهة الأحداث من جديد.

 

قبل أسابيع قليلة قدم مفوّض الشرطة الفيدرالية
جوليانو زاكارديلّي إستقالته من
منصبه الرفيع تحت ضغوط أحزاب المعارضة الثلاثة في مجلس العموم على رئيس الحكومة
بإقالته لتسريبه معلومات مضللة و غير
دقيقة لأجهزة الأمن الأمريكية تضع الكندي ذو الأصل السوري ماهر عرار على لائحة
"المتطرفين" مما أفضى إلى توقيفه من قبل هذه الأخيرة و تسليمه إلى الأجهزة الأمنية السورية
التي مارست عليه التعذيب لما يقارب السنة، كما شكلت القضية التي
رفعها عرار عن طريق فريق من المحامين ضد جون اشكروفت
المدعي العام
الأمريكي وعلى جون
كريتيان رئيس الوزراء الكندي السابق وعلى روبرت ميللر
مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية وعلى جوليانو زاكارديلّي مفوض الشرطة الكندية، يطالب بتعويضات تصل لمئات الملايين من
الدولارات نقطة انعطاف
كبيرة في قضيته التي
أثارت وما تزال كثيرا من الجدال والنقاش حول
التغيير الكبير الذي أصاب المجتمعات الغربية ما بعد أحداث سبتمبر، والعلاقة المعقدة والحدود المتداخلة بين الحقوق والحريات
العامة والدواعي
والاعتبارات الأمنية.

و حتى لا أبدو كمن يبدأ الحكاية من ذيلها، فأصل الحكاية أن ماهر عرار ( 36
سنة)
قد
غادر
وطنه سوريا عندما كان في السابعة عشرة من عمره واستقر
في كندا وحصل على جنسيتها ،
و تابع بها دراسته الجامعية حتى حصل على درجة الماجستير في الاتصالات، و كان دائم التنقل
بين كندا و الولايات المتحدة الأمريكية ارتباطا بطبيعة عمله دون أن يصادف أية
مشاكل قانونية في كندا أو أمريكا.

بتاريخ 26-9-2002 كان عائدا من
تونس -

موطن عائلة زوجته- إلى
مونتريال في كندا، حطت
طائرته
في مطار نيويورك لفترة انتظار بضع ساعات
كانت كافية لتغيير مجرى حياته، فقد قامت السلطات الأمريكية باعتقاله واستجوابه وسط الإهانات والشتائم مع عدم السماح له بالاتصال بمحام أو إعلام عائلته...

بعد خمسة أيام من اعتقاله سمح
له بإجراء مكالمة هاتفية لمدة دقيقتين،
أخبر
فيها والدة زوجته الموجودة في "أتاوا" بأمر احتجازه واحتمال ترحيله إلى
سورية كما أخبرته السلطات الأمريكية.
.. و هو الأمر الذي حصل سريعا ليقيم ماهر عرار منذ ذلك التاريخ بسوريا في زنزانة انفرادية تحت الأرض شبيه بالقبر لمدة عشرة أشهر وعشرة أيام لا يخرج منه إلا للاستجواب الذي
صحبه التعذيب الشديد
و مختلف أشكال الإهانة
النفسية و البدنية التي أقر تحت وطأتها بكونه تلقى تدريبات في معسكرات القاعدة
بافغانستان التي التي لا يحسن حتى تحديد مكانها على خريطة العالم…

بعد
عشرة أشهر و عشرة ايام وتحت وطأة تحركات هائلة من قبل منظمات حقوقية كندية و دولية
و تغطية إعلامية واسعة من قبل أجهزة الإعلام الأمريكية و الكندية تم إطلاق سراح
ماهر عرار و عاد إلى كندا بعد أن نوقشت قضيته على أعلى المستويات السياسية و قطفت
رؤوسا أمنية من العيار الثقيل… و قد واجهت
حكومة المحافظين الحاكمة
بكندا على هامش قضية عرار هجوما ضاريا من نواب المعارضة في مجلس العموم لمعرفة كيف
ستتصرف أوتاوا بعد صدور قرار
تبرئة ماهر عرار و
لمطالبة الحكومة بالاعتذار منه و من عائلته و هو ما استجاب له ستيفن هاربر بعد
قليل من التلكؤ … بقي أن أضيف أن هذه
القضية كلفت الحكومة الكندية مصاريف تتجاوز الثلاثة و ثلاثين مليون دولار.

هذه
حكاية السيد ماهر عرار التي قد لا تختلف عن كل الشباب العربي الذي غادر بلده بحثا
عن أفق أكثر رحابة للعيش فأصبح اسمه العربي عرضة لكل نزعات التوجس و الشك التي
تعيش تحت طائلتها المجتمعات الغربية منذ أحداث 11 ستنبر و بداية ما يسمى بالحرب
على الإرهاب، ولاستعداد حكام بلده الأصلي لحفظ
نصيبه من القهر و هدر الكرامة شأنه شأن باقي الرعية…

لعل من حسن حظ ماهر عرار أن الفصل القاسي من
حكايته قد انقضى و أن الفصول الجديدة من قضيته أكثر سعادة من فصلها الأول فقد أصبح
اسمه يحظى بحضور بالغ القوة في كل أوساط أمريكا الشمالية و تحول إلى شخصية عامة تخطب مختلف المنابر
الإعلامية ودها، و الكنديون الذين قلما اهتموا بالأخبار لم يملوا أبدا من متابعة
قضيته بشغف على امتداد فصولها و سنواتها الطويلة، و إن كللت قضاياه التي يرفعها
أمام المحاكم الأمريكية و الكندية بالنجاح و هو الاحتمال الأرجح فستهبط عليه مئات
الملايين من الدولارات كتعويض و رد شرف، لكن حسن طالع عرار يتجلى أكثر من هذا في حمله لجنسية بلد
ككندا حول قضيته إلى قضية وطنية و إلا لكان شأنه شأن كل المنسيين وراء القضبان
العربية بدون أدنى ضمانات إنسانية… فهل يكون الدرس الذي من الممكن الخروج به من
قضية ماهر عرار أن على ملايين العرب المنتهكة حقوقهم البحث لأنفسهم عن جنسية جديدة
تضمن لهم الحدود الدنيا في المعاملة كبشر و تحميهم من بطش حكومات بلدانهم
الأصلية…
؟

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رسائل مونتريال | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر