يجب أن تموت قبل أن تموت،يجب ان تموت لتحيا، أما حياة الاستمرار و الذبول فهي موت...

ترجمة النصوص الفلسفية شبيهة بمغامرة عوليس، حوار مع الأكاديمي و المترجم الدكتور عز الدين الخطابي

مايو 3rd, 2006 كتبها محمد فاضل رضوان نشر في , حوارات أجراها

 

الباحث و المترجم المغربي الدكتور عز الدين الخطابي

ترجمة النصوص الفلسفية شبيهة بمغامرة عوليس، فهي مضنية، لكن عناء السفر يتوج بمتعة الإكتشاف وفرصة اللقاء

حوار في قضايا الترجمة و الإبداع

حاوره محمد فاضل رضوان

إن عملية الترجمة لا تقتصر على النقل ( نقل فكر لغة إلى لغة أخرى)،  بل تساهم في خلخلة الثقافة المتلقية و تؤدي إلى طرح أسئلة جديدة، متحررة من معطف الثقافة المانحة.

إن فعل الكينونة être  [ Estin الإغريقية ] هو الذي انبنت عليه قضايا الأنطولوجيا الغربية، في حين ظل  هذا الفعل مضمرا على مستوى صياغة قضايانا الأنطولوجية والفكرية بشكل عام.

هامش تحرك المترجم يكون أضيق من هامش تحرك المؤلف، لأنه يتعامل مع نص قائم بذاته، يفترض نقله بأقل الخيانات الممكنة.

إن ان النص الخاضع للترجمة محظوظ، كيفما كان مستوى ترجمته، أما النص الذي لايجد من يترجمه، فانه يظل في وضعية حداد.

 

1) في زمن بيت الحكمة شكلت الترجمة قاطرة بناء الفضاء الثقافي العربي في أقوى لحظاته، فقد بدأ الكندي مترجما و انتهى فيلسوفا، هل لا زال بالإمكان الرهان على الترجمة لتحقيق طفرة ثقافية مماثلة؟ 

 في زمن "بيت الحكمة" تجلت الإرادة، بالمعنى المحدد من طرف الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر M.Heidegger، كتعبير عن روح الشعب. فقد تجلت الإرادة السياسية في شخص المامون وفي الدولة العباسية التي مهدت الطريق أمام عملية الترجمة وبوأت المترجمين مكانة هامة. كما تجسدت كإرادة روحية عبر فعالية "المثقفين" في تلك الفترة

[ أدباء ومتكلمين وفلاسفة الخ...]. والنتيجة، هي حصول ذلك التلاقح الثقافي الذي ازدهر من خلاله الفكر العربي الإسلامي عبر نهله من مختلف الثقافات [ اغريقية وفارسية وهندية الخ ...]. والأمر الهام، هو أن عملية الترجمة لم تقتصر على النقل ( نقل فكر  لغة إلى لغة أخرى)،  بل ساهمت في خلخلة الثقافة المتلقية وأدت الى طرح أسئلة جديدة، متحررة من معطف الثقافة المانحة. ولولا ذلك لما كان للفكر العربي الإسلامي ذلك الإشعاع الذي عرفه في العصر الوسيط، ولما ترجمت أعمال مفكرينا إلى اللاتينية، كي يستثمرها مفكرو الغرب؛  فلو كانت هذه الأعمال مجرد نقل للتراث الإغريقي – كما أعلن ذلك، الموقف الإستشراقي المتحيز لمركزيته الغربية – لما تم استثمارها من طرف المفكرين الأروبيين، ولكان هؤلاء قد اختصروا الطريق ونهلوا مباشرة من فكر الإغريق، دونما حاجة الى شروحات وتعليقات ابن رشد او ابن سينا ولا الى اجتهادات الرازي او ابن الهيثم على سبيل المثال.
ان هذه التجربة المتميزة هي عبارة عن درس، يتعين علينا أن نستخلص منه ما يلي 
:

- أولا 
: لقد كانت الترجمة ولا زالت، اداة للتفاعل بين الثقافات واللغات. ومن هنا تبرز أهميتها في عصرنا الذي يحمل شعار : " حوار الثقافات والحضارات ".

- ثانيا : إن هذا التفاعل بين اللغات والثقافات، سيجعل من الترجمة محركا للصيرورة الفكرية واللغوية ومساهما في إنجاز ما سميته ب" الطفرة الثقافية". فالترجمة ليست مجرد نقل، بل هي حوار ونقاش بين أطراف قد تكون متباينة الرؤى والأحكام، لذلك فهي  تعتبر ضرورية في هذه المرحلة من مسار ثقافتنا وفكرنا. 

2) إذا كانت اللغة مسكن الوجود حسب التعبير الهيدغري، فإلى أي حد يمكن الاعتقاد بقدرة المترجم على التحرر من حمولة لغته الثقافية و الاجتماعية و النفسية لضمان نقل أمين للنص المترجم؟ 

 تذكرني هذه الإحالة على هايدجر، بفكرته حول الترجمة والتي لخصها صديقه جان بوفري في مقدمة كتاب " أبحاث ومحاضرات" بقوله : " إن الترجمة هي مثول امام …Traduire, c’est se traduire devant  ". وبالفعل، فالأمر يتعلق بحوار بين اللغات والثقافات، أي بتواصل. لكن المشكلة الأساسية تتمثل في مدى قدرة لغة المترجم على نقل معاني ودلالات اللغة المترجمة. وهي ليست مشكلة لسانية فحسب، بل أيضا مشكلة فكرية. فغياب الرابطة الحملية في اللغة العربية مثلا، كان له تأثير كبير على البحث الأنطولوجي العربي الإسلامي. لأن فعل الكينونة être  [ Estin الإغريقية ] هو الذي انبنت عليه قضايا الأنطولوجيا الغربية، في حين ظل  هذا الفعل مضمرا على مستوى صياغة قضايانا الأنطولوجية والفكرية بشكل عام.

وهنا يظهر أمامنا المثال الإيطالي الشهير : Traduttore  tradittore، أي الترجمة خيانة. فهل يتعلق الأمر بتصور قدحي او تشهيري لفعل الترجمة؟ لانعتقد ذلك، لسببين على الأقل :

-         أولهما : أن كل ترجمة هي تأويل. ونحن نعلم أن كل ملفوظ يتضمن معاني متعددة، لذلك لايمكن أن يستقر فهم المتلقين لنص معين على معنى واحد. وهو ما يفسر اختلاف الترجمات وتباينها بخصوص عمل ما.

-         ثانيهما : أن المترجم لايمكنه ان يتحرر من السياقات المحددة لفعاليته اللسانية والحجاجية والفكرية، وهي سياقات لا تتلاءم بالضرورة مع مقتضيات النص المترجم وسياقات إنتاجه.

لذلك، فإن العلاقة بين النص الأصلي والنص المترجم، كما يقول المفكر الفرنسي الراحل جاك دريدا J. Derrida، ليست عبارة عن إعادة إنتاج، لأن الترجمة ليست صورة ولا نسخة

وبدون الخوض في مناقشة أطروحة المفكر المغربي طه عبد الرحمن، حول أفضلية الترجمة التأصيلية في الفلسفة، على الترجمتين التحصيلية والتوصيلية، لا بأس من الإشارة الى أن كل ترجمة هي تأويل وأننا كما يقول المفكر الفرنسي بول ريكور

المزيد


في قضايا الهجرة و الاندماج العربيين بكندا، حوار مع الباحث و الصحفي المغربي المقيم بكندا محمد نبيل

نوفمبر 22nd, 2005 كتبها محمد فاضل رضوان نشر في , حوارات أجراها

أعادت أحداث الضواحي الفرنسية في الآونة الأخيرة التيمات المرتبطة بالهجرة و الاندماج إلى واجهة الأحاديث و النقاشات العامة و الخاصة, فقد كانت هذه الأحداث التي تطلبت من بلد الأنوار تدابير قاسية أثارت التساؤلات عما بقي من تراث الثورة الفرنسية, إعلانا عن إفلاس النموذج الفرنسي و الأوروبي عموما في الإحاطة بتداعيات البلقنة الاجتماعية و الثقافية و الإثنية التي تفرضها موجة استقبال مهاجرين أجانب, هذا عن فرنسا و أوروبا فكيف تسير الأحوال بأمريكا الشمالية و خصوصا كندا التي تعتبر ظاهرة كمية في استقبال المهاجرين و تجنيسهم؟ و هل تطرح إشكالية الاندماج بكندا بشكل مختلف عما هو الأمر بأوروبا؟ و ما مدى جدوائية التراكم المنهجي الذي حققه دارسوا النماذج الأوروبية في قراءة وضعية المهاجر المغربي و العربي بكندا؟ لمحاولة الإحاطة بهذه الإشكالات كان لنا هذا الحوار مع الباحث والكاتب الصحفي المغربي المقيم بكندا محمد نبيل.
ـ تعيد الأحداث التي شهدتها فرنسا و بعض الدول الأوروبية طرح إشكالية اندماج المهاجرين في هذه البلدان, ما هي قراءتكم لهذه الأحداث من موقعكم كباحث و صحافي مهاجر ؟

محمد نبيل

أولا،يجب وضع مفهوم الاندماج أمام المساءلة و إبعاده عن كل توظيف إيديولوجي. فيجب التفريق بين مفاهيم: التذويب، الانصهار  assimilation   و الاندماج intégration. ،فسياسة الاندماج تظل مجرد خطاب سياسي و إيديولوجي بعيدا عن الممارسة اليومية التي تكشف عن الصراع والمقاومة بين مخططات التذويب و الانصهار من جهة و المقاومة التي يمارسها المهاجر بأشكال مختلفة ضد هذا التوجه من جهة أخرى ، مما يحول العلاقة بين المهاجر و البلد المحتضن إلى صدام ينتج عنه أزمات تتمظهر في أشكال و أعراض مختلفة. وكمثال على ذلك: تضخم الخطاب حول سؤال الهوية. إن ما تقوم به الدول المستقبلة للمهاجرين ـ و لو بأشكال وسيناريوهات مختلفة ـ هو التوجه نحو جر المهاجر لحمل ثقافة البلد المحتضن ولو جزئيا، هذا الأخير يقوم بردود فعل مضادة قد تأخذ أحيانا صور عنف مادي أو رمزي عوضا عن ممارسة الفعل مادام أن المهاجر في وضعية المقاوم اجتماعيا.

من المعروف أن الظروف و الشروط المحيطة بالهجرة إلى أمريكا الشمالية و خصوصا كندا مختلفة عما هو متداول في أوروبا هل يساهم هذا الأمر في طرح إشكالية اندماج المهاجرين في هذه البلدان بشكل مختلف؟
الهجرة بكندا و أمريكا لا تختلف عن مثيلاتها بأوروبا إلا في السيناريو السياسي التي تحبكه الدول و صناع القرار للتعامل مع المهاجر. و بالمناسبة سأحكي لكم حكاية تبين وضوح واقع المهاجر بالديار الكندية و قد وقعت بإحدى اللقاءات العلمية حول الهجرة بكيبيك والتي خاطبت فيها وزيرة الهجرة الحاضرين وخاصة المهاجرين منهم قائلة:
ـ يجب علينا اتخاذ تدابير عملية من أجل إدماج المهاجر و على الذين هم من أصول كيبيكيةـ نسبة إلى مقاطعة كيبيك الفرنكوفونية ـ أن يتفهموا الأمر….الخ هذا الخطاب أزعج أحد الأفارقة الذين تجنسوا بعدما قضى أكثر من 15 سنة بكندا و رد على الوزيرة بانفعال شديد: متى

المزيد