الباحث و المترجم المغربي الدكتور عز الدين الخطابي
ترجمة النصوص الفلسفية شبيهة بمغامرة عوليس، فهي مضنية، لكن عناء السفر يتوج بمتعة الإكتشاف وفرصة اللقاء
حوار في قضايا الترجمة و الإبداع
حاوره محمد فاضل رضوان
إن عملية الترجمة لا تقتصر على النقل ( نقل فكر لغة إلى لغة أخرى)، بل تساهم في خلخلة الثقافة المتلقية و تؤدي إلى طرح أسئلة جديدة، متحررة من معطف الثقافة المانحة.
إن فعل الكينونة être [ Estin الإغريقية ] هو الذي انبنت عليه قضايا الأنطولوجيا الغربية، في حين ظل هذا الفعل مضمرا على مستوى صياغة قضايانا الأنطولوجية والفكرية بشكل عام.
هامش تحرك المترجم يكون أضيق من هامش تحرك المؤلف، لأنه يتعامل مع نص قائم بذاته، يفترض نقله بأقل الخيانات الممكنة.
إن ان النص الخاضع للترجمة محظوظ، كيفما كان مستوى ترجمته، أما النص الذي لايجد من يترجمه، فانه يظل في وضعية حداد.
1) في زمن بيت الحكمة شكلت الترجمة قاطرة بناء الفضاء الثقافي العربي في أقوى لحظاته، فقد بدأ الكندي مترجما و انتهى فيلسوفا، هل لا زال بالإمكان الرهان على الترجمة لتحقيق طفرة ثقافية مماثلة؟
في زمن "بيت الحكمة" تجلت الإرادة، بالمعنى المحدد من طرف الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر M.Heidegger، كتعبير عن روح الشعب. فقد تجلت الإرادة السياسية في شخص المامون وفي الدولة العباسية التي مهدت الطريق أمام عملية الترجمة وبوأت المترجمين مكانة هامة. كما تجسدت كإرادة روحية عبر فعالية "المثقفين" في تلك الفترة
[ أدباء ومتكلمين وفلاسفة الخ...]. والنتيجة، هي حصول ذلك التلاقح الثقافي الذي ازدهر من خلاله الفكر العربي الإسلامي عبر نهله من مختلف الثقافات [ اغريقية وفارسية وهندية الخ ...]. والأمر الهام، هو أن عملية الترجمة لم تقتصر على النقل ( نقل فكر لغة إلى لغة أخرى)، بل ساهمت في خلخلة الثقافة المتلقية وأدت الى طرح أسئلة جديدة، متحررة من معطف الثقافة المانحة. ولولا ذلك لما كان للفكر العربي الإسلامي ذلك الإشعاع الذي عرفه في العصر الوسيط، ولما ترجمت أعمال مفكرينا إلى اللاتينية، كي يستثمرها مفكرو الغرب؛ فلو كانت هذه الأعمال مجرد نقل للتراث الإغريقي – كما أعلن ذلك، الموقف الإستشراقي المتحيز لمركزيته الغربية – لما تم استثمارها من طرف المفكرين الأروبيين، ولكان هؤلاء قد اختصروا الطريق ونهلوا مباشرة من فكر الإغريق، دونما حاجة الى شروحات وتعليقات ابن رشد او ابن سينا ولا الى اجتهادات الرازي او ابن الهيثم على سبيل المثال.
ان هذه التجربة المتميزة هي عبارة عن درس، يتعين علينا أن نستخلص منه ما يلي :
- أولا : لقد كانت الترجمة ولا زالت، اداة للتفاعل بين الثقافات واللغات. ومن هنا تبرز أهميتها في عصرنا الذي يحمل شعار : " حوار الثقافات والحضارات ".
- ثانيا : إن هذا التفاعل بين اللغات والثقافات، سيجعل من الترجمة محركا للصيرورة الفكرية واللغوية ومساهما في إنجاز ما سميته ب" الطفرة الثقافية". فالترجمة ليست مجرد نقل، بل هي حوار ونقاش بين أطراف قد تكون متباينة الرؤى والأحكام، لذلك فهي تعتبر ضرورية في هذه المرحلة من مسار ثقافتنا وفكرنا.
2) إذا كانت اللغة مسكن الوجود حسب التعبير الهيدغري، فإلى أي حد يمكن الاعتقاد بقدرة المترجم على التحرر من حمولة لغته الثقافية و الاجتماعية و النفسية لضمان نقل أمين للنص المترجم؟
تذكرني هذه الإحالة على هايدجر، بفكرته حول الترجمة والتي لخصها صديقه جان بوفري في مقدمة كتاب " أبحاث ومحاضرات" بقوله : " إن الترجمة هي مثول امام …Traduire, c’est se traduire devant ". وبالفعل، فالأمر يتعلق بحوار بين اللغات والثقافات، أي بتواصل. لكن المشكلة الأساسية تتمثل في مدى قدرة لغة المترجم على نقل معاني ودلالات اللغة المترجمة. وهي ليست مشكلة لسانية فحسب، بل أيضا مشكلة فكرية. فغياب الرابطة الحملية في اللغة العربية مثلا، كان له تأثير كبير على البحث الأنطولوجي العربي الإسلامي. لأن فعل الكينونة être [ Estin الإغريقية ] هو الذي انبنت عليه قضايا الأنطولوجيا الغربية، في حين ظل هذا الفعل مضمرا على مستوى صياغة قضايانا الأنطولوجية والفكرية بشكل عام.
وهنا يظهر أمامنا المثال الإيطالي الشهير : Traduttore tradittore، أي الترجمة خيانة. فهل يتعلق الأمر بتصور قدحي او تشهيري لفعل الترجمة؟ لانعتقد ذلك، لسببين على الأقل :
- أولهما : أن كل ترجمة هي تأويل. ونحن نعلم أن كل ملفوظ يتضمن معاني متعددة، لذلك لايمكن أن يستقر فهم المتلقين لنص معين على معنى واحد. وهو ما يفسر اختلاف الترجمات وتباينها بخصوص عمل ما.
- ثانيهما : أن المترجم لايمكنه ان يتحرر من السياقات المحددة لفعاليته اللسانية والحجاجية والفكرية، وهي سياقات لا تتلاءم بالضرورة مع مقتضيات النص المترجم وسياقات إنتاجه.
لذلك، فإن العلاقة بين النص الأصلي والنص المترجم، كما يقول المفكر الفرنسي الراحل جاك دريدا J. Derrida، ليست عبارة عن إعادة إنتاج، لأن الترجمة ليست صورة ولا نسخة
وبدون الخوض في مناقشة أطروحة المفكر المغربي طه عبد الرحمن، حول أفضلية الترجمة التأصيلية في الفلسفة، على الترجمتين التحصيلية والتوصيلية، لا بأس من الإشارة الى أن كل ترجمة هي تأويل وأننا كما يقول المفكر الفرنسي بول ريكور














