يجب أن تموت قبل أن تموت،يجب ان تموت لتحيا، أما حياة الاستمرار و الذبول فهي موت...

الإسلامفوبيا: قلق المسارات و الرؤى في النموذج الفرنسي

سبتمبر 26th, 2005 كتبها محمد فاضل رضوان نشر في , دراسات

"Il faut être honnête. Moi, je suis un peu islamophobe. Cela ne me gêne pas de le dire. (…) j’ai le droit, je ne suis pas le seul dans ce pays à penser que l’islam - je dis bien l’islam, je ne parle même pas des islamistes - en tant que religion apporte une débilité d’archaïsmes divers, apporte une manière de considérer la femme, de déclasser régulièrement la femme."
Claude Imbert   LE POINTأسبوعية
إنه نموذج لبعض الكتابات التي تصنف في خانة العدائية ضد المسلمين بفرنسا,. و هي تسير في اتساق مع ظاهرة الإسلامفوبيا التي
أضحت تثير جدلا كبيرا وسط المثقفين الفرنسيين في السنوات الأخيرة ما بين اعتبارها أمرا واقعا موثقا بحيثيات الحياة اليومية لمسلمي فرنسا ممثلا في حظر الحجاب و الاعتداء على المؤسسات و الأفراد و تضخم الخطاب الإعلامي المعادي للمسلمين و قيمهم باعتبارها مهددة لروح و قيم الجمهورية الفرنسية, و بين كونها مجرد معركة مفاهيم تتخفى وراءها إشكالات أكثر عمقا مما يبدو في الواجهة تتعلق بقضايا تاريخية, ثقافية, سياسية و اجتماعية تطال التشكيل الحضاري العربي الإسلامي في مقابل التشكيل الحضاري الغربي المسيحي و طبيعة تعاطي كل منهما مع الظاهرة الدينية إضافة إلى طبيعة التدبير الرسمي الفرنسي لملف التعدد الديني. فما المقصود إذن بالإسلامفوبيا كمفهوم؟ و ما هي مختلف السياقات التي أدت إلى إنتاجه؟ و ما هي المسارات التي يختطها هذا المفهوم لنفسه في مختلف التقارير و الدراسات الفرنسية التي اهتمت بمقاربته و تحليله؟ من هذا المنطلق سنعمل على مقاربة المفهوم مسترشدين بالكم الهائل من المحاولات التي سارت في نفس الاتجاه ما بين محاولة تعريفه و تحليل مختلف الاتجاهات المتدخلة في إنتاج سياقاته .إضافة إلى محاولة تقديم صورة عن بعض المظاهر التي تدلل على وجود الظاهرة و استشرائها و ذلك استنادا إلى تقارير و دراسات موثقة عملت على إعدادها تنظيمات مختصة من قبيل التجمع ضد الإسلامفوبيا بفرنسا CCIF وصولا إلى تحليل الموقفين الرئيسين من الظاهرة و الذين راعينا أن نقدمهما من خلال أطروحات كتاب فرنسيين غير مسلمين توخيا للموضوعية و الحياد العلمي: موقف الإقرار ممثلا في أطروحة الباحث Vincent Geisser.في كتابهLA NOUVELLE ISLAMOPHOBIE و موقف الرفض و عدم الاعتراف ممثلا في كتاب Tirs Croisés للباحثتينCaroline FourestوFiammetta Venner.
 
الإسلامفوبيا؟
اشتقاقيا فإن اللفظ اليوناني phobos يحيل على الخوف اللاشعوري و اللامبرر, استنادا لهذا يمكن القول بأن الإسلامفوبيا خوف لاشعوري و لامبرر و رفض عشوائي للإسلام.غير أن هذا التعريف لا يعكس قطعا طبيعة التشعب المحيط بالمفهوم باعتباره يشكل محور نقاشات عميقة يتداخل فيها الديني بالثقافي و السياسي بالتاريخي مما يتطلب تتبع مسيرة المفهوم عبر مختلف أشكال حضوره في التقارير و الدراسات و الأبحاث التي تعاملت معه كما في اشتغال جهات مختصة من قبيل جمعيات و منظمات و مراصد حقوق الإنسان و مناهضة التمييز و العنصرية.
يجب التمييز في التعامل مع مفهوم إسلامفوبيا بين مرحلتين أساسيتين تقف 11 شتنبر 2001 حدا فاصلا بينهما.
    مرحلة الماقبل و التي تتميز بندرة استخدام المفهوم إلى درجة أن الدراسة التي تحدث عنها Alain Gresh في مقالته بجريدة Monde diplomatiqueLEبتاريخ 1 مارس 2004تحت عنوان À propos de l’islamophobie و التي اتخذت كأساس لها أرشيف جريدة le monde ما بين 1 يناير 1987 و 10 شتنبر 2001 أي يوم واحد قبل تفجيرات نيويورك لم تسجل استخدام المفهوم سوى مرتين الأولى سنة 1994 فيما الثانية في فبراير 2001 .نفس العدد من المرات سيجل أيضا على امتداد نفس الفترة بالنسبة لMonde diplomatiqueLEالأولى في إطار روبورتاج حول مدينة مرسيلية في يوليوز 97 فيما الثانية تنسب للمفكر السويسري العربي الأصل طارق رمضان في أبريل 98 أما في بريطانيا فقد تم الترويج للمفهوم سنة 1996 من قبل منظمة Runnymede Trust التي أصدرت تحت إشراف البروفيسور Gordon Conway دراسة تحت عنوان Islamophobia : Fact Not Fiction . سنة 1998 و على هامش الدورة الرابعة و الخمسين للأمم المتحدة قدمGlèle-Ahnanhanzoالمقرر الخاص حول الأشكال المعاصرة للعنصرية تقريرا أمام لجنة حقوق الإنسان الأممية جاء فيه أن مختلف أشكال العنصرية و معاداة الأجانب الموجهة ضد العرب تتضاعف في اتجاه الإسلامفوبيا.
بعد 11 شتنبر سيصبح استعمال المفهوم دارجا على لسان الجميع في فرنسا كما في باقي الدول الأوروبية و الولايات المتحدة الأميركية هكذا سيظهر في أكتوبر 2001 مفهوم الإسلامفوبيا على الموقع الإلكتروني لكل من المرصد الأوروبي لظواهر العنصرية و معاداة الأجانب بفيينا EUMC و الشبكة الأوروبية ضد العنصريةENAR أما في فرنسا فإن سنة 2003 ستعرف تنظيم يوم دراسي في موضوع du Racisme anti-arabe à l’islamophobieمن قبلمنظمة الحركة ضد العنصرية ومن أجل الصداقة بين الشعوبMRAPكما سيتشكل التجمع ضد الإسلامفوبيا بفرنسا ccif الذي أصدر أول تقاريره في 21 أكتوبر 2004 كما كان الوزير الأول الفرنسي السابقj.pierre.rafarin قد استخدم المفهوم في كلمة له بمناسبة افتتاح المسجد الكبير بباريس في 17 أكتوبر من نفس السنة. أما اكثر التعاريف شيوعا و تبنيا من قبل الباحثين فيعود للمركز من أجل تكافؤ الفرص و مواجهة العنصرية و الذي جاء فيه : الإسلامفوبيا كراهية و رفض لإسلام مختزل في كيان شرير بينما الإسلام هو متعدد عل المستوى الاجتماعي , الجغرافي , التاريخي و الثقافي.هذه الكراهية تتغذى على أحكام مسبقة و قوالب جاهزة سلبية تمارس غالبا خلطا بين مفاهيم متعددة:- إسلام, عرب, مسلم, إسلاموي, إرهابي, أصولي..- من جهة و بين ثقافة و دين من جهة أخرى.
 
التجمع ضد الإسلامفوبيا بفرنسا: مسؤولية الدولة و المثقفين ؟
تستند الدراسة الموثقة التي عملت على إعدادها منظمة التجمع ضد الإسلامفوبيا بفرنساCollectif contre l’islamophobie en France إلى إحصاء شمل 182 فعل إسلامفوبي يغطي سنة كاملة ممتدة من أكتوبر 2003 إلى غشت 2004 حيث 118 منها كانت موجهة ضد أفراد( شتائم عنصرية, تهديد بالقتل, اعتداءات مسلحة…) فيما 64 استهدفت مؤسسات(اعتداء على مساجد و مقابر إسلامية , إلغاء مجموعة من الندوات حول الإسلام لدواعي مختلفة, توقيف مجموعة من الأئمة…) . هده الأرقام و إن كانت لا تعكس بالضرورة حيثيات الوضع بالنظر إلى صعوبة رصد كل هده الأفعال خصوصا تلك الموجهة ضد الأفراد يصرح التقرير المذكور, فإن من شأنها أن تقدم رصدا موثقا لظاهرة الإسلامفوبيا التي أصبح يحذر منها مجموعة من الخبراء و الحقوقيين بفرنسا في هدا السياق يستخلص التقرير الذي قدمه هدا التنظيم أمام وسائل الإعلام يوم 21 أكتوبر 2004 استنتاجين اثنين حول الظاهرة يرتبط الأول بكون 76 في المائة من حالات الاعتداء على الأشخاص المسجلة كانت ضد نساء محجبات بما يعطي الانطباع بأن الحجاب كرمز ديني إسلامي كان مستهدفا أكثر من الأشخاص بعينهم .فيما يسير التوجه الثاني نحو تحميل الدولة الفرنسية مسؤولية ما يقارب 60 في المائة من هده الأفعال و هو ما يضع هده الأخيرة ممثلة في العمد, المفوضين, مسؤولي المؤسسات التعليمية… على رأس قائمة مصادر الإسلامفوبيا بفرنسا.من جهة أخرى يشدد التقرير على المسؤولية التاريخية للمثقفين و السياسيين و وسائل الإعلام… إذ يستشهد التقرير بأسماء من قبيل الوزير السابق  Xavier Darcosالذي صرح تعليقا على حضر الحجاب « quand on aime pas la République Française, on va ailleurs » هدا إضافة إلى الكتابات المنسوبة إلى أسماء بعينها تأتي على رأسها  Oriana Fallaciصاحبة كتاب la rage et l’orgueil ;contre le jihad et l’intolerance.الذي قال بخصوصه المفكر Gilles Kepel  : « l’intérêt du livre très subjectif de Mme Fallaci est qu’il offre une clé pour l’interprétation des processus mentaux qui ont conduit, depuis le 11 septembre, une part sans cesse croissante de l’électorat européen (et de l’opinion américaine) à lier les angoisses et les peurs venant de l’insécurité à l’immigration, à l’islam et au terrorisme puis à apporter leur suffrage à l’extrême droite »  
و لنا أن نفهم تعليق Gilles Kepelعلى هذا الكتاب من خلال إحدى فقراته ذات الطابع التحريضي« De simples

المزيد


نخب الشواهد الابتدائية المزورة

مارس 6th, 2005 كتبها محمد فاضل رضوان نشر في , دراسات

تحول مجموعة من رؤساء الجماعات القروية بالمغرب إلى ما يشبه نجوم الإعلام بحضورهم المثير على صفحات الجرائد منذ إجراء الانتخابات الجماعية الأخيرة قبل أكثر من سنتين, لا يتعلق الأمر بإنجازات مهمة حققها هؤلاء على مستوى تسييرهم لهذا الجماعات فاستحقوا بذلك تنويها من قبل الصحف, فواقع الحال لا يعكس سوى أشكال الفوضى و الفساد و سوء التدبير بل يحيل على ما أضحى يعرف بحروب الشهادات الابتدائية المزورة التي ما إن تنتهي إحدى جولاتها حتى تبدأ الأخرى. فقد نقلت بعض الصحف في مطلع الأسبوع الجاري أن أعضاء معارضين بإحدى الجماعات القروية قد طعنوا من جديد في شرعية رئاسة مجلسهم أمام محكمة مختصة بعد تورط رئيسه في فضيحة تزوير شهادة مدرسية ثانية تثبت حصوله على الشهادة الابتدائية التي تخول له الحق في الترشح لرئاسة المجلس, و كانت الصحف الوطنية قد نقلت في فترات سابقة أخبار معارك قضائية للطعن في شرعية عدد من رؤساء الجماعات القروية وصلت أطوارها إلى المجلس الأعلى للقضاء الذي قضى بحل عدد من مكاتب هذه الجماعات بناء على ثبوت تزوير الشهادات المدرسية المقدمة من قبل المرشحين للرئاسة و هو ما يعني أن فترة ولاية هذه المجالس التي كان من المفترض أن توجه في تدبير أمور هذه الجماعات و الاهتمام بالشؤون اليومية للسكان لخلق تنمية محلية تخرج القرى المغربية من عزلتها و تهميشها قد توجهت بمعظمها و بمواردها نحو خوض معارك الرئاسة التي استعملت فيها كل الجبهات من ساحات القرى إلى مؤسسات القضاء العليا و كل الوسائل من التطاحن حول شراء الأصوات إلى تزوير الوثائق فما الذي يجعل هذه المجالس التي من المفترض أن تكون واجهة ديمقراطية تفضي لإفراز نخب محلية تنخرط في تسيير الشأن المحلي إلى دكاكين خاصة بالبيع و الشراء في كل شيئ من مصالح الساكنة إلى الذمم و كيف تعجز القرى المغربية بعد عقود طويلة من الاستقلال و شعارات تعميم التعليم عن خلق نخب محلية تتجاوز مؤهلاتها شهادة ابتدائية مزورة ؟
من القبيلة إلى الدولة: إعادة إنتاج النخب القروية:
عبر تاريخها الطويل و ما بين لحظات تبعيتها لأجهزة المخزن أو انفصالها عنها فيما تحدده أدبيات السوسيولوجيا الكولونيالية بثنائية بلاد السيبة و بلاد المخزن كان للقرى مؤسساتها و أجهزتها الخاصة التي تتولى من خلالها تسيير شؤونها اليومية و علاقتها بالآخرين إذ يرى robert montagne   في كتابه les berbers et le makhzen أن القبائل المغربية كانت تعيش في فوضى منظمة, جدلية الفوضى و النظام هذه لا تعكس حالة من التناقض المؤسساتي لدى القبائل المغربية بقدر ما تحيل على قدرة هذه القبائل على تأطير ذاتها و رعاية مصالحها في غنى عن أجهزة المخزن و اعتمادا على مؤسساتها و تنظيماتها الاجتماعية و السياسية المحلية التي تفرز باستمرار

المزيد


التعليم بالوسط القروي المغربي، قراءة سوسيولوجية

يوليو 15th, 2003 كتبها محمد فاضل رضوان نشر في , دراسات

لعل من مظاهراهمية قطاع في حجم التربية والتعليم, أن تتحول قضاياه إلى محط جدال عمومي, مهما تعالت فيه الأصوات وتعارضت فستلتقي حتما على مستوى الخلل الهيكلي الذي تعيشه منظومتنا التعليمية, مما يجعل من كل مقاربة لهذه القضايا ترويجا لخطاب مأزوم على اعتبار أن السياق الذي افرز ويفرز هذه المقاربات هو وضعية قطاع يعيش أزمة مركبة, متعددة الوجوه, تعكسها الأسئلة العالقة بداية بالخطاب الملائم لمقاربة همومه وقضاياه, ما بين سؤال الهوية الذي شكل وعلى امتداد سنوات طويلة ما اسماه الدكتور عابد الجابري الثابت الرئيسي(1)   في السياسة التعليمية بالمغرب ليس على مستوى الشعارات فقط بل وعلى مستوى التطبيق أيضا, نعني المبادئ الأربعة الشهيرة المستقدمة من عمق الفكر الوطني والتي جعلت من هذا الخطاب حبيس التعميم و التوحيد والتعريب ومغربة الأطر, و سؤال التنمية الذي كان ولا يزال له ما يبرره محليا, ودوليا ليتشكل الغائب الأكبر في صورة خطاب موضوعي يتجاوز كل ما هو أيديولوجي ضيق ليتحرك على المستوى الوظيفي, خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار الضبابية المستشرية حول طبيعة علاقة المدرسة بمحيطها, وإشكالية اندماج كل منهما في الأخر والتي تعيد إنتاج إشكالية ذات طابع استراتيجي تتأرجح ما بين الحفاظ على الموروث وإعادة إنتاجه, أو تجاوزه عبر إحداث قطائع وتحولات عميقة على مستوى تشكيلات هذا المحيط. وصولا أخيرا و ليس آخرا إلى سؤال القيمة


والتي أضحت مثار تشكيك من الجميع.


هذه الأزمة المركبة تتجسد بشكل أكثر جلاء مع كل انتقال من الماكرو إلى الميكرو, وهو ما قد نلمسه مع تعاملنا المكشوف مع واقع التعليم بالوسط القروي, حيث يتعايش القهر الطبيعي مع مختلف صور النبذ والحرمان الثقافي والاقتصادي ليشكل واقعا أليما لا يملك إلا أن يسدل بظلاله على قضايا التربية والتعليم بهذا الوسط, على اعتبار أن هذه الظواهر لا تتحدد من خلال عوامل محدودة بقدر ما تتشابك مع البنية الداخلية للمجتمع وهو تصور لم يعد مثار جدل في صفوف المهتمين بسوسيولوجيا التربية بالنظر للخلفية النظرية الصلبة التي تؤطره, مابين الدراسة التكوينية ل jean Piaget التي يدافع من خلالها عن تفاعل بين الفرد ووسطه المحيط لان الذكاء يتأسس بفضل سيرورة توازن البنيات المعرفية استجابة لمتطلبات و قيود الوسط او الدراسة البيداغوجية ل LEV VYGOTSKY التي ركزت على المكون الاجتماعي من تصور مخالف يرى أن الاتجاه الحقيقي للتفكير لا يذهب من الفردي إلى الاجتماعي, بل من الاجتماعي إلى الفردي إذ يتحدد التفكير و الشعور بواسطة نشاط الفرد الذي يتفق مع أمثاله في وسط اجتماعي محدد. .إلا أن تناول مدرسة الوسط القروي في سياق تفاعلها الجدلي مع محيطها قد يطرح صعوبات منهجية جمة, بالنظر لصعوبة الاحاطة بهذا المحيط بما هو فسيفساء اثنية ثقافية طبيعية لغوية…شديدة التعقيد والبلقنة. انه مجتمع يتداخل فيه ما هو حاضر بما هو ماضي التاريخي بالثقافي الاجتماعي بالاقتصادي, السياسي بالثقافي…(2)


من جهة أخرى فان خصوصية الظاهرة التربوية بالوسط القروي لا تبرر عزلها المطلق عن المنظومة التربوية المتحكمة في سير العملية التربوية, بعيدا عن إسقاطات المجال سواء كان حضريا أم قرويا و هو ما يفرض تناول مدرسة الوسط القروي في إطار النظام التربوي العام, أي مساءلة مختلف أنماط العلاقة التي تربط المدرسة القروية كمحيط بالمركز المحسوبة عليه أي المؤسسات المركزية الوصية على القطاع و مدى تفاعل الجانبين و درجة ايجابية هذا التفاعل, هكذا يعلن راهن التعليم بالوسط القروي عن نفسه في مركز تقاطع أزمتين, توجد مدرسة هذا الوسط في عمق كل واحدة منهما انطلاقا من مسلمتين اثنتين:
الأولى: تتعلق بكون مدرسة الوسط القروي هي إحدى مرافق هذا الوسط والتي ليس بامكانها أن تشذ عن قاعدة التهميش المطلق الذي يجتاحه, و هو ما يطرح علامة استفهام كبرى حول مدى صلاحية هذه المؤسسة لاحتضان العملية التربوية ما دامت بعيدة كل البعد عن تجسيد مفهوم المؤسسة المفترضة ساعة وضع البرامج و التشريعات.
الثانية: تموضع تعليم الوسط القروي كجزء من المنظومة الوطنية في شموليتها هكذا تتجسد الأزمة البنيوية الشمولية بشكل أكثر جلاء على مستوى هذا الوسط.
                    التعليم بالوسط القروي ودلالات الأرقام:
تبدو الفوارق الجهوية للتمدرس بين الوسطين الحضري و القروي امتدادا للتهميش الذي عرفه هذا الأخير داخل مخططات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, هكذا رافقت السياسة التعليمية منذ الاستقلال توزيعا لا متكافئا للخدمات المدرسية بين المدن والقرى, في هذا السياق يرى الدكتور عابد الجابري أن البادية المغربية ظلت عموما محرومة من التعليم وبقي أبناؤها في نفس الوضعية التي عاش فيها آباؤهم يتسكعون في باديتهم أو يهاجرون إلى المدن الكبرى طلبا للشغل(3) إذ ركزت سياسة التعميم على المدن أكثر من القرى, و هو أمر يفسره بوضوح تراجع عدد المدارس الفرعية التي تتشكل منها لمجموعات المدرسية في البوادي من  4119وحدة خلال الموسم الدراسي 66/67 إلى 3496 خلال الموسم الدراسي 70/71 كما انخفظ عدد تلاميذها على امتداد نفس الفترة من 422.978تلميذا إلى378000 تلميذا وهو ما يعني إن الفترة التي روجت للشعارات المغرية المرافقة لسياسة التعليم عرفت تراجع عدد تلاميذ هذا الوسط بنسبة 10% خلال خمس سنوات كما تراجعت نسبة تلامذته من مجموع تلاميذ المغرب من40, 3% سنة67 إلى31, 9% سنة72  .وهي أرقام تعبر عن ذاتها خصوصا وسكان الوسط القروي في هذه الفترة يتجاوزون ثلثي ساكنة المغرب.
هذا التوزيع الغير العادل للخدمات المدرسية بين الوسطين سيستمر على امتداد سنوات الاستقلال ليؤسس لتفاوت قاس على مستوى نسب التغطية بين النيابات, حيث سبعة منها لا تتجاوزنسبة تغطيتها بالوحدات المدرسية إلى حدود الموسم الدراسي 11, 7% 97/98 و هي بطبيعة الحال النيابات التي يحتل الوسط القروي الحصة الأهم من ترابها.تفاوت يعيد إلى الأذهان مقولة المغرب النافع وغير النافع, حيث السياسة التعليمية طريقا ليس فقط نحو إعادة إنتاج الطبقات بل إعادة إنتاج الجهات والمناطق أيضا.
             مدرسة الوسط القروي: مدرسة لمجتمع أم مجتمع لمدرسة؟
بدا الاهتمام بمقاربة مدرسة الوسط القروي في سياق علاقتها بمحيطها منذ الستينيات, إذ كشفت دراسة بول باسكون والمكي بنطاهر" ماذا يقول 296 شاب قروي؟"عن وجود موقف ايجابي من المدرسة يتبلور في إطار تصور نفعي أساسه اعتبار المدرسة طريقا نحو الترقي الاجتماعي وتجاوز إعادة الإنتاج السلبي في الوسط القروي, مادامت المدرسة هي الطريق الأوحد لاخترا

المزيد